ميرزا محمد حسن الآشتياني

134

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

حيث تأخرها عن المدرك فلا يمكن توقفها عليها ولذا قيل باستحالة التصويب على بعض تقريراته على ما عرفته في محلّه ضرورة توقف الظن على المظنون فكيف يؤخذ فيه ويجعل قيدا لموضوعه نعم يمكن أن يجعل الظن بحكم المخاطبين موضوعا لحكم غيرهم كما أنه يمكن أن يجعل كلّا من الظن والشكّ بحكم موضوعا لحكم آخر سواء كان هذا الحكم الآخر حكما ظاهريّا أو واقعيّا من سنخ حكم متعلّقه أو من غير سنخه كما أنه يمكن ذلك بالنسبة إلى العلم أيضا بأن يؤخذ العلم بحكم واقعي موضوعا لحكم آخر من غير سنخ حكم لمتعلّقه وبهذا يفترق مع الظن من حيث إنه يمكن أن يؤخذ موضوعا واقعا وفي نفس الأمر لحكم من سنخ حكم متعلّقه وقد أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول من التعليقة تبعا لشيخنا دام ظله هذا [ في أن مقتضى التحقيق عدم كون العلم أيضا شرطا كالتّنجز ] ولكن الذي يقتضيه التحقيق على ما أسمعناك في طي كلماتنا السّابقة عدم شرطيّة العلم بالمعنى الأعمّ من الإجمالي في التنجز أيضا في الأحكام الشرعيّة مطلقا سواء كانت من الاعتقادية أو العمليّة مع التمكن من الفحص عن الواقع ومن هنا يلزم العقل النظر في معجزة مدّعي النبوّة ويحكم باستحقاق الجاهل الملتفت العقاب على مخالفة الواقع مع ترك الفحص على المختار المشهور عند الأصحاب وإن زعم بعض فيما سيجيء من كلامه في الخاتمة كون عقابه على ترك الفحص والتعلم نعم لا إشكال في كون العلم بالمعنى الأعمّ شرطا لتنجّز التكليف في الموضوعات الخارجيّة ومعذورية الجاهل البسيط بها عقلا وشرعا على ما عرفته مرارا وستعرفه مفصّلا هذا وأمّا عدم المانع عن تنجّز الخطاب بعد شموله وثبوت مقتضاه في نفس الأمر فلأن المتصوّر منه في المقام ليس إلّا الجهل التفصيلي بالمأمور به ومانعيّته إمّا بحكم العقل وإما بحكم الشرع أما مانعيّته عقلا فهي إمّا من جهة عجز الجاهل عن الإتيان بالواقع حتى يرجع عدم الجهل إلى شرط من شروط وجود المأمور به من حيث إن الجهل مانع عن وجوده وإمّا من جهة عدم قابليّة الجاهل لتوجّه التكليف إليه وإمّا من جهة حكمه بقبح عقاب الجاهل تفصيلا على مخالفة الواقع وشيئا من هذه الوجوه لا يكون موجودا أما الأول فظاهر ضرورة تمكّن الجاهل تفصيلا من إتيان الواقع سيّما في التوصّليات التي لا تعتبر في صحتها بل وقوعها واجبا قصد التقرّب فضلا عن قصد الوجه نعم لو قيل باعتبار قصد الوجه التفصيلي في التعبديّات حتى فيما لا يتمكن المكلّف من تعيينه تعيّن القول في الفرض بعدم تنجّز الخطاب لكنّه مما لم يقل به أحد ظاهرا بل لا يعقل القول به أيضا حيث إن لازمه القول بعدم وجود الحكم واقعا في حقّ الجاهل لأن القدرة على المقدّمة الوجودية شرط للوجوب بالاتفاق بل بالضرورة على ما قرّر في بحث المقدّمة فيلزم عليه الدور أيضا وإن كان مع الواسطة ومن هنا تعرف أن جعل هذا الوجه والوجه الثاني دليلا لنفي التنجيز لا يخلو عن مسامحة ومناقشة بل لا بدّ من أن يجعلا صارفين من أصل شمول الخطاب للجاهل فالجواب عنهما ممّا يتوقّف عليه إثبات المقتضي لا إثبات عدم المانع فتدبّر وبالجملة لا ينبغي الإشكال في عدم مانعيّة الجهل بهذا الاعتبار ولذا اعترف جمع من الأساطين منهم المولى الأستاذ البهبهاني بعدم قبح التكليف بالمجمل في الجملة وهذا كما يشهد على فساد هذا الوجه يشهد على فساد الوجه الثاني أيضا وأما الثاني فأشدّ ظهورا لأن الجاهل المبحوث عنه ليس أسوأ حالا من الجاهل البسيط ومن المعلوم ضرورة بالوجدان والعيان صحّة مخاطبة بل لولاه لزم الدور أيضا وأمّا الثالث فلاستقلال العقل باستحقاق الجاهل التارك للمأمور به العقاب على الترك وكفاية العلم الإجمالي في البيان الرافع لموضوع قاعدة القبح هذا كله مضافا إلى أنّه لو كان الجهل مانعا في المقام لزم قبح عقاب الجاهل المقصّر على الواجبات والمحرّمات الواقعيّة سواء كان من الكفار أو المسلمين بل لزم قبح عقاب الكفار على الأصول أيضا لأن الحاصل للجاهل المقصّر في المقامين الموجب لحسن عقابه ليس إلا العلم الإجمالي الموجود في الفرض بل ربما لا يكون الحاصل له إلّا الشكّ مع عدم الفحص على ما أسمعناك عن قريب مع أن قضية اتفاق كلمتهم وبناء العقلاء على عدم قبح ذلك بل حسنه بل أقول إذا كان هذا المعنى ثابتا مع الشّكّ على ما يقتضيه اتفاق كلمتهم كان ثبوته مع العلم الإجمالي المفروض في محل البحث أولى كما لا يخفى هذا بعض الكلام في عدم مانعيّة الجهل التفصيلي عقلا وأمّا عدم مانعيّته شرعا فلأن ما يتوهّم دلالته عليه ليس إلّا ما دلّ على البراءة عند الجهل بالحكم ممّا تقدّم ذكره في الشكّ في التكليف وقد عرفت مرارا عند التكلّم في حكم الشبهة المحصورة وغيره عدم إمكان شموله لموارد العلم الإجمالي المنجز للتكليف من حيث كونه إذنا في المعصية عند العقل هذا مضافا إلى أن الظاهر منها كون الغاية الرافعة للبراءة وترخيص الشارع العلم بالمعنى الأعمّ من الإجمالي والتفصيلي وإلى ما قيل من معارضتها لأخبار الاحتياط التي تكون نصّا في الشكّ في المكلّف به بالبيان الذي تقدّم تفصيل القول فيه فإن مقتضاها وإن كان وجوب الموافقة القطعيّة وليس محلّ الكلام في المقام إلا أن التمسّك بها باعتبار الفحوى فتدبر هذا بعض الكلام في المخالفة القطعيّة [ في أنّ الحق وجوب الموافقة القطعيّة أيضا ] وأما الموافقة القطعيّة فالذي ينبغي القطع به بحيث لا يغير به ريب أصلا هو وجوبها على الجاهل في المقام من حيث احتمال العقاب بعد تنجّز الخطاب العلم الإجمالي على ما عرفت في ترك كل مشتبه فيجب بحكم العقل دفعه ونتيجة ذلك كما ترى وجوب الاحتياط وتحصيل الموافقة القطعيّة والحاصل أنا أسمعناك غير مرّة ثبوت الملازمة بين حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعيّة في حكم العقل بحيث لا انفكاك بينهما أصلا في حكمه وأنه كلما تنجّز الخطاب بالواقع يلزم في حكم العقل إحرازه ولا يجوز الاكتفاء باحتمال حصوله إلا أنّ مبنى حكمه بلزوم الإحراز على ما عرفت لما كان حكمه بلزوم دفع العقاب المحتمل فإذا ورد حكم من الشارع بكفاية بعض المحتملات في مقام امتثال الواقع لزم رفع موضوع حكم العقل بلزوم الإحراز وتحصيل العلم بالواقع فلا بدّ للقول بكفاية بعض المحتملات من إقامة الدليل الشرعي عليه وليس في المقام على ما عرفت إلا ما دلّ من الأخبار على البراءة ولا يمكن شمولها للمقام بعد البناء على الحرمة في المقام الأوّل لا لأحدهما المعيّن ولا لأحدهما المخيّر على ما عرفت تفصيله في الشبهة المحصورة وممّا ذكرنا كله يعلم أن التعبير عن حكم المقام بما أفاده في الكتاب من الاستظهار لا يخلو عن مناقشة سيّما بملاحظة تعليله للحكم بكونه معصية عند العقلاء لكن الأمر سهل بعد وضوح الحكم